عبد الله بن قدامه

28

كتاب التوابين

وفي رواية قال : يا قوم ! اطرحوني في الماء وانجوا . فقام القوم ، فاحتملوه شبه المشفقين عليه . فقال : ائتوا بي صدر السفينة . ففعلوا ، فلما أشرفوا ليلقوه ، فإذا الحوت فاتح فاه . فلما رأى ذلك ، قال : يا قوم ! ردوني إلى مؤخر السفينة . ففعلوا ، فلما أشرفوا ، ذهبوا يطرحونه ، فاستقبله الحوت فاتحا فاه . فلما رأى جوفه وهوله قال : يا قوم ! ردوني إلى وسط السفينة . ففعلوا ، فاستقبله ، فقال : ردوني إلى الجانب الآخر . فاستقبه غير فاتحا فاه ليأخذه . فقال : اطرحوني وانجوا فلا منجا من الله . فطرحوه ، والتقمه الحوت قبل أن يبلغ الماء ، وتصوب به . رجع الحديث إلى الحسن ، قال : فانطلق به الحوت إلى مسكنه من البحر ، ثم انطلق به إلى قرار الأرض ، فطاف به البحار أربعين يوما . فسمع يونس تسبيح الحصى وتسبيح الحيتان . قال : فجعل يسبح ويهلل ويقدس . وكان يقول في دعائه : سيدي ! في السماء مسكنك ، وفي الأرض قدرتك وعجائبك . سيدي ! من الجبال أهبطتني ، وفي البلاد سيرتني ، وفي الظلمات الثلاث حبستني . إلهي سجنتني بسجن لم تسجن به أحدا قبلي . إلهي ! عاقبتني بعقوبة لم تعاقب بها أحدا قبلي . فلما كان تمام أربعين يوما وأصابه الغم ، ( فنادى في المظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) [ الأنبياء : 87 ] قال : فسمعت الملائكة بكاءه وعرفوا صوته ، وبكت الملائكة